أحمد بن علي الرازي
349
شرح بدء الأمالي
قلنا : هذا الكلام كفر عظيم حيث وصفتم المشركين الذين يعبدون الأصنام قبل الوحي من أهل الإسلام ، وهم يحشرون يوم القيامة مع المسلمين بقولكم ففي الّذي وقع في الجزيرة أو بين الجبال وقت الصيحة لم يعرفوا الإسلام والكفر ، ولا الخير والشر ، ولا يرى نذيرا ولا بشيرا ، ولا يعرف الدنيا والآخرة ، ولا موتا ولا حياة . اختلف المشايخ على أنه يحشر كافرا أو مسلما ، والّذي يعبد الصنم كيف يكون الخلاف في كفره ؟ وكيف يكون معذورا ؟ وكيف يحكم قبح فعله بالحلال وله أن معرفة الله تعالى واجبة بالسمع ، ولم تكن واجبة بالعقل ؛ لأن أصحاب الكهف لم يكونوا مؤمنين بقولكم ، وهم آمنوا بالعقل لا بالسمع ، قال الله تعالى في حقهم : وَزِدْناهُمْ هُدىً [ الكهف : 13 ] . فسماهم مؤمنين ، وقد ذكرنا الدلائل على بطلان قولهم غير هذا . وأبو حنيفة ، رضى الله تعالى عنه ، ناظر مع دهري [ 260 ] فألزم عليه الحجة ، فقال الدهري : إنما تغيرت الأشياء من حال إلى حال ؛ لأن بناها على الطبائع الأربع ، فما دامت هذه الأربع مستوية فصاحبها مستوى أيضا ومتى علمت الطبيعة منها على سائرها زالت عن الاستواء فزال استواء صاحبها أيضا . فقال أبو حنيفة ، رضى الله تعالى عنه : أقررت بالصانع والمصنوع ، والغالب والمغلوب ، حيث أنكرت لأنك قلت : إحدى الطبائع تغلب على سائرها ، وسائرها يصير مغلوبا بها فأثبت أن العالم غالبا في الجملة فقد تعذبنا من مسلكهم ، فعلمنا أن الغالب ليس هو إلا الله الصانع جلت قدرته ، فجعل الدهري يهذر ويلغو ويتجلجل . وكذا كل من ناظر أهل البدعة ألزم عليه الحجة حتى يهدى المبتدع ولا يضحك على كلامه ؛ لأنه من تكلم بالكفر فضحك غيره ، كفر المتكلم والضاحك والمستحسن . وقيل : من تبسم في وجه المبتدع فقد أعان على هدم الإسلام ، وكيف العون لهم ؟ فقال أبو حنيفة ، رحمه الله تعالى : إني أتكلم مع الخصم حتى يهدى وليس لي أن أتكلم حتى يخرس ؛ لأن الخرس معجزة للأنبياء لا لغيرهم ، هدانا الله من ضلالتهم أبدا . وإذا ثبت أن العالم مصنوع الصانع ، ثبت أنه أجسام [ 261 ] وأعراض وهو على نوعين : اختيارية واضطرارية ، فالاضطرارية مثل الألوان ، والأكوان ، والطعوم وغير ذلك ،